حصريا: رواية رحيق تحت الجلد بقلم نانا أحمد البارت الواحد و عشرين
الفصل الواحد والعشرون – العبور إلى الجانب الآخر
لم تدرك ليلى كم من الوقت ظلّت واقفة وسط الظلال، ولا كيف تغيّر شكل الغرفة من حولها.
عندما عاد الضوء تدريجيًا، وجدت نفسها واقفة في مكان لم تره من قبل.
الحوائط لم تعد خشبية…
بل أصبحت حجرية، منقوش عليها رموز قديمة تشبه تلك التي كانت على المخطوطة، لكن أوضح… وأعمق.
صوت آسر خرج من خلفها، هادئ لكن ممتلئ بثقل غريب:
"إحنا عدّينا."
التفتت بسرعة.
وجدته واقفًا، لكن ملامحه لم تعد كما كانت قبل الظلام.
كان أهدأ… وفي عيونه لمعة تشبه لمعة شخص رجع لمكان يعرفه كويس.
"عدّينا إيه؟ إحنا فين؟"
اقترب منها خطوة، وكأنه يحاول يطمنها… أو يحميها.
"ده الجانب اللي اتكتبت عشانه المخطوطة. العالم اللي اتفصل عن عالمنا من آلاف السنين… علشان ما يتفتحش تاني."
شعرت ليلى برعشة تسري في جسدها.
"طب ليه أنا؟ أنا مالي ومال ده كله؟"
تنهد آسر… كان واضح عليه إنه بيحارب حاجة جواه.
"لأن دمّك… المفتاح."
لم تستوعب.
حدقت فيه بدهشة وخوف:
"دمّي؟! يعني إيه؟"
رفع يده بلطف وأشار للرموز على الحوائط.
"أسرتك… كانوا آخر الحراس.
والمخطوطة اتسرقت قبل ما توصي الحقيقة.
أنتي آخر واحدة في السلسلة… وده معناه إنك الوحيدة اللي تقدري تقفلي البوابة."
ابتلعت ريقها بصعوبة.
"طب وإنت؟ إيه علاقتك؟"
سكت لثوانٍ.
ثوانٍ كانت أثقل من أي كلمة قالها قبل كده.
"أنا… من هنا."
تجمدت.
شعرت أن الأرض تميد تحت قدميها.
"إزاي؟! ده مستحيل…"
هز رأسه بهدوء مرّ.
"أنا اتولدت في العالم ده… واترميت في عالمكم طفل صغير.
اتربيت بينكوا… لكنه مكاني الحقيقي هنا.
ووجودي جنبك مش صدفة… كان قدر مرسوم من البداية."
اقتربت ليلى خطوة رغم خوفها.
"وليه ما قلتليش؟ ليه خبّيت؟"
نظر في عينيها مباشرة… النظرة اللي دايمًا كانت تربكها.
"لأنك عمرك ما كنتي هتقبلي.
ولأن اللحظة دي… لازم توصلك بنفسك."
فجأة…
اهتز المكان بعنف أقوى من أي مرة.
الرموز على الحوائط بدأت تضيء كلها، واحد ورا التاني، بلون ذهبي حاد.
صرخ آسر:
"ليلى!! البوابة بتتفتح! لو اتفتحت كاملة… مش هنقدر نرجع!"
اندفعت نحوه:
"طب نعمل إيه؟ قولّي!"
أمسك يدها بقوة… قوة تخوف وتطمن في نفس الوقت.
"لازم تختاري:
يا نرجع عالمكم ونقفل كل ده…
يا نستنى هنا… ونواجه اللي جاي.
بس لو اخترتي المواجهة… مفيش رجوع."
ارتجفت أنفاسها، قلبها يخبط، والضوء بيزيد لدرجة مؤلمة.
لكن الشيء اللي خلاها تتجمد فعلاً…
هو إنها أول مرة تشوف الخوف الحقيقي في عيون آسر.
والبوابة خلفهم…
كانت بتفتح.
