حصريا: رواية رحيق تحت الجلد بقلم نانا أحمد البارت العشرين
الفصل العشرون – ظلال لا تهدأ
لم تكن ليلى تتوقع أن اللحظة التي تهرب منها منذ البداية ستقف الآن أمامها بهذا الوضوح.
الهواء في الممر كان باردًا على غير العادة، كأنه يحمل رسالة سوداوية قبل أن تنطق بها الجدران نفسها.
وقفت عند الباب الخشبي القديم، الباب الذي حذّرها الجميع من فتحه… إلا أنّ قلبها هذه المرة كان أقوى من الخوف.
مدّت يدها ببطء.
ارتجاف بسيط… ثم انفتح الباب كأنه كان ينتظرها منذ سنوات طويلة.
الظلام في الداخل لم يكن مظلمًا تمامًا؛ كان نابضًا… يتحرك… كأنه كيان حيّ يتنفس.
رأت أمامها الطاولة القديمة التي تحدث عنها الشيخ "مراد".
وعلى سطحها… المخطوطة.
الورقة الوحيدة التي اختفت ليلة الحريق قبل عشرة أعوام.
اقتربت ليلى، وكل خطوة كانت تقطع صلة بينها وبين حياتها العادية.
“أنا عارفة إنك هتيجي.”
تجمدت.
الصوت كان واضح… قوي… وهادي بطريقة مزعجة.
التفتت بسرعة، فوجدت "آسر" واقفًا خلفها، ملامحه متصلبة، وعيونه… مختلفة.
لم يكن نفس الشخص الذي شاركها الخطر الأيام الماضية.
كان هناك شيء ما تغيّر.
قالت وهي تتراجع خطوة:
"إزاي دخلت؟ أنا… أنا سيبتك مصاب."
ابتسم ابتسامة خفيفة… باردة.
"إصابتي كانت آخر حاجة لازم تقلقي عليها. في حاجات تانية أخطر… وأقدم."
جفّ حلقها.
"إنت مين؟"
اقترب منها خطوة، وبدا وكأن كل شيء في الغرفة يبتلع الضوء من حوله.
"أنا اللي كنت بدور عليك قبل ما انتي حتى تعرفي المخطوطة دي موجودة."
نظرت إلى الورقة على الطاولة.
كانت تتحرك كأن ريح خفيفة تضربها… مع إنه لا فيه شبابيك ولا باب مفتوح.
"آسر… لو بتخوفني فبلاش."
ضحك… لكنه لم يكن ضحكته المعتادة.
كانت ضحكة شخص عاش أكثر مما يجب.
فجأة… اهتزت الأرض اهتزازًا خفيفًا.
المخطوطة اشتعلت بضوء أحمر خافت، والنقوش بدأت تظهر واحدة تلو الأخرى.
مدّ آسر يده إليها:
"المرة دي… لازم تختاري.
إما تسيبي كل حاجة وتكمّلي الطريق ده معايا…
أو ترجعي وتعيشي في الظلام اللي كنتي فاكرة إنه أمان."
شعرت ليلى أن الهواء يضيق حولها.
قلبها يصرخ إنها تهرب.
وعقلها يصرخ إنها تبقى.
لكن الأكثر رعبًا…
إنها شافت في عيون آسر شيء كان مستحيل تشوفه:
دمعة.
كانت دمعة شخص بيودع… قبل ما يبدأ.
وقبل أن تنطق بأي كلمة، انطفأ الضوء فجأة، وتحول كل شيء حولها إلى ظلال تتحرك وتغلق عليها الدائرة.
وكان آخر شيء سمعته…
"الفصل اللي جاي… مش هيكون ليكي لوحدك."
