حصريا: رواية رحيق تحت الجلد بقلم نانا أحمد البارت الخامس و عشرين و الأخير
كان النور الأبيض بيغطي المكان كله، كأنه موج ضخم بيكسر جدران العالم القديم ويبني واحد جديد في نفس اللحظة.
صوت الهواء بقى عالي لدرجة إن ليلى حسّت إن قلبها بيخبط بنفس الإيقاع…
إيقاع واحد…
إيقاع آسر.
إيدها كانت على صدره، والإحساس اللي جرى في عروقها كان فوق الوصف.
مش ألم…
ولا حتى حرارة…
ده كان إحساس إن روحها بتتمدّد وتتفكك جزء جزء، وتتشكل من أول وجديد.
النور بدأ يهدى…
وببطء شديد… بان قدامها.
آسر.
لكن مش آسر اللي كانت تعرفه.
كان واقف… قوي… ثابت…
عيناه بقت أوضح، لونها أقرب للفضي اللي كان في دمه.
والعلامة على صدره بقت منوّرة بنور ذهبي.
ابتسم ابتسامة صغيرة… ابتسامة شبه اللي شافتها لأول يوم قابلته فيه، بس دلوقتي كان فيها حاجة أعمق…
طمأنينة…
وانتماء.
"ليلى…"
صوته كان هادي، لكنه مليان حياة.
"انتي… عملتيها."
لفّت حوالين نفسها تبص على المكان…
الشقوق في الأرض اتقفلت.
الرموز رجعت لسطوعها الطبيعي.
والبوابة اللي كانت بتصرخ…
بقت دلوقتي مجرد نقش حجري هادي.
"احنا… نجحنا؟"
سألت بصوت متقطع.
آسر هز راسه:
"التوازن رجع. العالمين اتقفل بينهم الباب… وكل حاجة استقرت."
قربت منه خطوة، ولسه قلبها مش مصدق.
"وانت… انت بقيت كويس؟"
مسك إيدها، وأول مرة تحس بإيده دافية بجد.
"مش بس كويس… أنا حيّ. بالكامل."
ضربت صدره بخفة وهي بتضحك ودموعها بتنزل:
"خوفتني يا مجنون!"
ضحك هو كمان، وضمها لحضنه.
الحضن اللي حست فيه إنها أخيرًا وصلت لمكانها الطبيعي…
مش في عالم البشر، ولا عالم الظلال…
لكن في المسافة بين الاتنين.
المكان اللي اتخلق علشانها هي وهو.
بعد لحظات هدوء، قالت بخفوت:
"طب… هنرجع؟ لعالمنا؟"
سكت آسر لحظة…
وبعدين قال:
"أيوه… بس مش لوحدك.
من اللحظة دي… انتي الحارسة.
والعالم محتاجك."
رفعت راسها ونظرتله:
"ولو رفضت؟"
ابتسم:
"عمرك ما هتهربي من قدرك…
بس لو رفضتي… هفضل معاكي برضه."
ضحكت وهي تمسح دموعها:
"يعني في كل الحالات… ملزوق فيا؟"
"للأبد."
اتسعت ابتسامتها، ووضعت يدها في يده.
النور اللي جه من النقوش حوالينهم بدأ يفتح ممر…
ممر بيرجعهم لعالمهم.
سألته قبل ما يتحركوا:
"والظل؟ خلّصنا منه؟"
عيناه فضلت ثابتة، لكنها لمعت بقلق بسيط:
"اللي خرج… كان جزء صغير منه.
بس بقيته… انحبس.
ومش هيخرج تاني…
طول ما انتي واقفة."
شدت إيده بثقة:
"وأنا… واقفة."
ابتسم، وقال:
"جاهزة ترجعي؟"
"جاهزة نبدأ."
ومسكها من إيدها…
ومشوا سوا في الممر الضوئي اللي بيرجعهم لحياتهم،
بس مش كما كانوا…
بل كـ حارسة وآخر من تبقّى من نسل عالمين.
وفي اللحظة اللي عبروا فيها…
انغلقت البوابة تمامًا.
– النهاية –
