حصريا: رواية رحيق تحت الجلد بقلم نانا أحمد البارت الثالث
الفصل الثالث - الشرارة التي لا تُطفأ
بعد الاجتماع الأول، خرجت مريم وهي بتحاول تستوعب اللي حصل.
الكلام كتير... التعليمات كتير...
لكن أكتر حاجة شغلت عقلها:
نظرة ريان اللي كانت بترصد كل حركة ليها.
كانت بتجمع أوراقها لما لمحت لانا الرفاعي—أخت ريان—ماشية في الممر، شكلها بسيط وشيك، وعينيها لامعة بذكاء واضح.
لانا وقفت، بصت لمريم من فوق لتحت بحركة سريعة...
وبعدين ابتسمت ابتسامة مرسومة بس فيها دفء:
— "إنتي مريم، صح؟ الموظفة الجديدة؟"
مريم هزّت راسها:
— "أيوه... تشرفت."
لانا ضحكت:
— "أنا اللي لازم أتشرف... أخويا كان شايفك من بعيد قبل الاجتماع وواقف متجمد. قلت يا ترى مين دي؟"
مريم اتلخبطت:
— "إحنا... اتقابلنا صدفة عند المدخل."
لانا قربت شوية...
وانخفض صوتها:
— "ريان مش بيتجمد قدام الناس... ولا قدام بنات. فلو حصَل... يبقى في حاجة."
مريم اتوترت وغيّرت الموضوع بسرعة:
— "هو دايمًا... بيبقى جاد كده؟"
لانا ضحكت ضحكة قصيرة:
— "جدي؟ دا قليل. ريان عنده عقل ما بيريحش، وقلب... ما عادش بيفتح لأي حد. بس لو فتح... بيبقى طوفان، مش باب."
مريم حسّت بجملة "قلب ما بيفتحش"...
كأنها لمست جزءًا منها.
قبل ما تكمل لانا كلامها، ظهر ريان من آخر الممر.
عينه راحت مباشرة على المسافة بين مريم ولانا.
وجهه ما بيّن حاجة...
لكن عينه كانت بتقول كل حاجة.
لانا ابتسمت لأخوها:
— "إيه؟ جاي تاخد الموظفة الجديدة تحاسبها على تنفّسها؟"
ريان تجاهل المزحة...
وبصّ لمريم:
— "تعالي. عايزك في مكتبي."
لانا بصّت لمريم بنظرة فيها تحذير خفيف:
"اوجدي أعصابك... ده ريان."
مريم مشت وراه...
خطواتها هادية، لكنه سامع كل خطوة.
ولما دخلوا المكتب، قفل الباب وراه.
كان المكتب كبير ومضبوط، مفيهوش حاجة زيادة، كله عملي...
زي صاحبه.
ريان وقف قدامها وقال بصراحة تخضّ:
— "أنا مش بحب الفوضى."
مريم هزت راسها:
— "أنا... حاولت أعمل اللي—"
قاطعها:
— "اسمعيني للآخر."
قرب...
مش بشكل مبالغ، لكن كفاية تحس إن وجوده يملأ المكان.
— "أول يوم ليكي كان ممكن يعدي عادي. لكنك خديتِ اهتمام أنتِ مش مستعدة له."
مريم بصّت له باستغراب:
— "اهتمام من مين؟"
ريان لحظة صمت...
بعدها قال:
— "من الناس. من الموظفين. من... حاجات مش لازم تتشتتّي بيها."
هو قال "الناس"...
لكن صوته خان...
كأنه كان بيقول "مني".
نفسه اتغيّر للحظة، لكنه رجّع صوته البارد بسرعة:
— "شغلك مهم. وعايزك تركّزي. فهمه؟"
مريم:
— "أفهم... بس حضرتك كل شوية بتقول كلام بيخوفني."
ريان قرب خطوة...
خطوة بس...
لكنها كانت كافية تخلي قلبها يدوخ.
— "لو كنت بخوّفك... كنتي عرفتِ. أنا ما بخوّفش... أنا بوضّح."
وبعدين...
لمح في عينيها حاجة...
حاجة خلّته يغيّر نبرة صوته لأول مرة.
— "إنتي خايفة... من إيه يا مريم؟"
الكلمة هزّت فيها حاجة كانت مدفونة...
لكن قبل ما تتكلم...
رنّ موبايله.
بصّ للشاشة...
واتجمّد.
اسم المتصل:
سيف.
وجه ريان اتغيّر...
وبرودة سريعة نزلت عليه زي ظلّ قديم رجع فجأة.
رد وهو بيبعد عنها خطوة:
— "أيوه؟ ... لأ. مش وقته... قلتلك الموضوع دا مات من زمان."
قفل السكة...
ورجع يبص لمريم.
لكن عينه ما كانتش زي الأول...
كانت مضطربة...
ورجع فيها نفس الظلّ اللي شافته مريم في الليلة اللي هربت فيها.
ريان قال بصوت ثابت... لكن جواه عاصفة:
— "روّحي دلوقتي يا مريم."
مريم:
— "حضرتك... في حاجة حصلت؟"
ريان:
— "روّحي."
وهنا...
مريم حسّت إن اللي حصل مش مكالمة عادية...
وإن الماضي اللي رجع لريان
هو نفسه الماضي اللي بتحاول تهرب منه...
من غير ما يعرفوا
إن طريقهم
واحد.
