حصريا: رواية رحيق تحت الجلد بقلم نانا أحمد البارت الرابع و عشرين
الفصل الرابع والعشرون – آخر نبضة
كانت ليلى شايلة آسر بين إيديها، وضهره المتسند عليها كان أبرد من أي مرة قبل كده.
الإضاءة الخفيفة اللي بدأت ترجع للمكان كانت باهتة…
كأن العالم نفسه حزين على اللي بيحصل.
إيدها كانت مضغوطة على الجرح اللي في صدره، والدم الغريب اللي نازل منه مش شبه الدم البشري…
كان لونه فضي، وبيلمع.
"آسر… افتح عينك! ارجوك!"
فتحها بصعوبة، وبصوت خافت قال:
"لسّه… جنبِك."
دموع ليلى نزلت غصب عنها.
"ما تقولش كده! انت هتقوم وهترجع زي الأول… قولّي أعمل إيه!"
رفع إيده بصعوبة، لمست أصابعه خدها، اللمسة كانت ضعيفة، بالكاد موجودة.
"أنتي… المفتاح… اللي بيخلي العالمين يتوازنوا."
شهقت:
"وأنت؟ مالك؟ ليه الظل كان عايز يقتلني؟"
تنفس بعمق، وكأنه بيحاول يسرق لحظة زيادة من الحياة.
"الظل… كان محبوس جوه البوابة.
وأمّك… ما كانتش عارفة إنها لما فتحتها… أطلقت جزء منه.
هو عايز يرجّع روحه الكاملة… وده مش هيحصل إلا لو… سيطر عليكي."
قربت وشّها من وشه، صوتها كان بيموت:
"طب وإنت؟ ليه وقفت قدامي؟ ليه خدت الضربة بدالي؟"
ابتسم ابتسامة ضعيفة…
ابتسامة فيها حب مخلوط بنهاية ووجع.
"علشان… ما ينفعش ألمسك… وبعدها أسيبك لوحدِك."
قلبها اتخبط بعنف، شعرت إنها أول مرة تفهم حاجات مكانتش شايفاها.
"آسر… أنا مش هسيبك تموت!"
هز رأسه بهدوء:
"أنا… مش من عالمكم.
والطاقة اللي من الظل… بتأثر فينا أكتر منكم."
ليلى مسكت إيده بكل قوتها كأنها هتثبت روحه بجسمه.
"لا. مفيش كلام من ده.
انت عاشرتنا… عشت معانا… ضحّيت عشاني.
إنت مش أقل من أي حد في عالمي!"
عيونه اللامعة فضلت تراقبها لحظة… فيها عمق مايتوصفش.
وبعدين قال بصوت مكسور:
"ليه… انتي كده؟"
"كده إزاي؟"
"أقوى من البوابة… ومن الظل… ومن كل لعنة هنا."
فجأة…
الأرض اهتزت تاني، لكن الاهتزاز كان مختلف…
مش زي غلق البوابة.
ده كان كأنه نبض… نبض جاي من تحتهم.
رفعت ليلى راسها بخوف.
"إيه ده؟"
آسر جمع بقايا قوته وقال:
"ده… قلب العالم.
لما الظل خرج… التوازن اتكسر.
لو التوازن ما رجعش… العالمين هيوقعوا."
نظرت له مرعوبة:
"طب نرجّعه إزاي؟"
غمض عينيه لحظة… وبعدين فتحهم بتعب شديد.
"في طريقة… واحدة.
بس… خطيرة."
"قول!"
"لازم… تحطي إيدك على قلبي."
قلّبت نظرها على صدره… العلامة اللي كانت ترسم نور هادي بدأت تبهت.
"وبعدين؟"
"تنقلي… جزء من روحك ليا."
اتسعت عيونها.
"يعني…؟ ده ممكن يموّتني؟"
"أيوه."
سكتت ليلى لحظة…
مش لأنها خايفة…
لكن لأنها فهمت حجم القرار.
بعدين رفعت عينيها عليه وقالت بثبات:
"مايهمّنيش."
حاول يهز راسه:
"لأ… لا، ليلى. ممنوع. أنتي آخر حارسة. العالم محتاجك!"
قربت وشّها من وشّه، وجبهتها لمست جبينه.
"وأنا… محتاجاك انت."
دمعة صغيرة نزلت من عين آسر.
أول دمعة… وآخر دمعة.
"لو عملتي كده… مش هنفترق."
قالها كأنها وعد.
رفعت ليلى إيدها…
وحطتها على العلامة اللي في صدره.
وفجأة…
انفجر نور أبيض قوي غطّى المكان كله.
نور كأنه بيحرق…
وبيطهر…
وبيعيد كتابة القدر من جديد.
وبين الدنيا اللي بتنور…
سمعت صوت آسر يهمس:
"استنّيناك… من زمان."
